القاضي عبد الجبار الهمذاني
184
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فان قال قائل : فلو كان القرآن من قبله ، صلى اللّه عليه ، وكان وجه الإعجاز هو : علمه بكيفيته ، أليس قد يصح أن يعلم ما جعلناه شرطا ، فهلا قلتم بصحة ذلك ، وإن كان من قبل غيره . قيل له : إذا كان من قبله ، صلى اللّه عليه وسلم ، حل محل الشعر الّذي ذكرناه فقد يصح أن نعلمه حادثا من جهته ، بمثل ما قدمنا ذكره ، فأما إذا كان الأمر في كونه معجزا ، على الوجه الآخر ، وهو محتمل لكلا الوجهين ، فهذا العلم متعذر . فان قال : أفلستم قد جعلتم هذا العلم شرطا ، من حيث قلتم : إنه تعالى ، إذا لم يجز أن يمكن من الاستفساد ، فلا بد من أن يعلم أن ذلك لم يظهر على غيره ، فقد عدتم إلى أن هذا العلم شرط ، في الاستدلال . قيل له : انا لا نجعل ذلك شرطا ، لكنا نجعله دافعا للشبه ، ومزيلا لها ، إذا وردت على المكلف ، كما قلنا : إن إحياء الموتى يصح الاستدلال به على النبوّة ، ولم نجعل شرط الاستدلال به العلم باستحالة الانتقال على الأعراض ، وإن كان متى خطر بباله ، وصارت شبهة يمكنه إزالة ذلك ، بأن يعلم بالدليل الظاهر ، أن الانتقال لا يجوز عليها ، فكذلك القول فيما قدمناه . وبعد . . فلو جعلنا ذلك شرطا لكنا قد جعلنا الشرط ما يصح وجوده للمكلف عند النظر في النبوّات ، لأنه قد علم أن القديم تعالى حكيم ، وأنه يرسل الرسول للمصالح ، وأنه لا بدّ من أن يفرق بين النبي والمتنبي ، ويمنع مما يؤدى إلى أن لا فرق بينهما ، فيعلم عند ذلك أن القرآن لا يظهر على من أخذه من غيره ، وجعله دلالة نبوته ، مع كونه كذابا ؛ وليس كذلك ما جعلته شرطا ، لأنك أحلت على علم ، لا طريق لك إلى ثبوته ، من الوجه الّذي ادعيته ، فسلم ما قلناه ، وبطل ما ادعيته ؛